ملا محمد مهدي النراقي

32

جامع الأفكار وناقد الأنظار

ثمّ لمّا كان غرض بهمنيار من ذكر هاتين المقدّمتين - بأيّ معنى أخذناهما - بيان أنّ التعقّل لا يمكن أن يكون للمادّي بل انّما هو للمجرّد ، فلذا رتّب عليهما أوّلا عدم كون المادّي مدركا لذاته ، فقال : « لم يصح أن يكون ما وجوده لغيره مدركا لذاته ، أي : لمّا كان وجود المحسوس من حيث هو محسوس ووجود المعقول من حيث هو معقول أو وجودهما في أنفسهما عين وجودهما لمدركهما لم يصحّ أن يكون ما وجوده لغيره مدركا لذاته » . والمراد « بما وجوده لغيره » كلّ ما يكون في الوجود محتاجا إلى الغير وثابتا له - وهو المقارن للمادّة - ، أو ما يكون حالّا في غيره وان كان مجرّدا - كالصورة العقلية الكلّية - . أمّا على الوجه الأوّل فلانّه لو كان مدركا لذاته كان ذاته مدركة معقولة له بمعنى معقوليته ومدركيته - أعني : كونه موجودا من حيث هو معقول كون وجوده لمدركه أي لذاته - مع انّه فرض وجوده لغيره - أعني : الموضوع أو المحلّ - . والحاصل : انّه لما فرض انّ وجود المحسوس والمعقول في ذاته هو وجوده لمدركه يجب أن يكون المدرك شيئا يكون وجوده لنفسه حتّى يكون وجود المعقول له ، إذ لولاه لزم أن لا يكون وجود ذلك المعقول لذلك المدرك ، بل لمحلّه ، فلا يكون وجود المحسوس والمعقول في ذاتهما وجودهما لمدركهما ؛ وهو خلاف الفرض . وأمّا على الوجه الثاني فلأنّه لو كان مدركا لذاته لكان وجوده في نفسه عين وجوده لمدركه - أي : لذاته - مع أنّ وجوده لغيره . ثمّ قال : « ومدرك ذاته يجب أن يكون نفس وجوده ادراكه لذاته » ؛ والسرّ في ذلك على الوجه الأوّل انّ ادراكه لذاته - أي : اعتبار وجوده من حيث هو معقول - يؤول إلى وجوده لمدركه - أي : لذاته - ، فيكون نفس وجوده لذاته عبارة عن ادراكه لذاته ؛ وعلى الوجه الثاني فلانّه إذا كان وجوده في نفسه عين وجوده لمدركه فيكون نفس وجوده هو مدركيته لذاته ، فيكون نفس وجوده هو ادراكه لذاته أيضا ، لانّ مآل مدركيته لذاته وادراكه لذاته واحد . ثمّ قال : « وكلّما وجوده لذاته فهو مدرك ذاته » ؛ إذ ليس وجوده إلّا كونه مدركا - بصيغة المفعول - . وذلك لانّ معنى المدركية والمعقولية هو كون الشيء موجودا بصورته أو بذاته لموجود قائم بذاته ، وكلّ ما وجوده لذاته يكون ذاته موجودة لذاتها القائمة